عبد الشافى محمد عبد اللطيف

246

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

يريد الاستيلاء على هذه المدينة العتيدة ، وكان على قناعة تامة أنه إذا استطاع الاستيلاء عليها فإن الدولة البيزنطية نفسها سوف تسقط وتنتهي ، لأن العواصم للدول بمثابة مركز الأعصاب للإنسان ، ولقد كان متأثرا في ذلك بما حدث للدولة الفارسية ، فعند ما نجح المسلمون في الاستيلاء على عاصمتها المدائن ، انهارت مقاومة الفرس بعدها ، وفتح المسلمون كل بلادهم وزالت الدولة الفارسية العتيدة والتي كانت تنافس الروم في زعامة العالم يومئذ ، ولم يعد لها وجود . لذلك كرس معاوية جهوده وحشد أساطيله ، وغزا عاصمة القياصرة أكثر من مرة سنة ( 49 - 50 ه / 669 - 670 م ) . ومرة أخرى استمر غزوه وحصاره لها نحو سبع سنوات « 1 » ( 54 - 60 ه / 674 - 680 م ) ، وقد اشترك الأسطول المصري مع الأسطول الشامي في هذا الغزو بعدد هائل من المراكب ، نحو ثلاثمائة مركب من المراكب الكبيرة ، المزودة بالات القذف التي تتكون من المجانيق وآلات رمي الحجارة « 2 » . وهكذا أدى التعاون الوثيق بين مصر والشام في ميدان بناء الأساطيل البحرية إلى بروز قوة بحرية ، لم تنجح في حماية شواطئهما من هجمات الروم فحسب ، بل أصبحت خطرا على عاصمتهم - القسطنطينية - نفسها ، وإذا كان معاوية لم ينجح في فتح القسطنطينية لأسباب كثيرة يطول شرحها ، فإنه قد ينجح في جعل الدولة البيزنطية العتيدة تقف موقف الدفاع عن كيانها وعن عاصمتها ، كما أن نظرية معاوية كانت سليمة تماما ، فإن ما قدره وجعله هدفه قد تحقق بعده بنحو ثمانية قرون ، فعندما نجح السلطان العثماني محمد الفاتح في فتح القسطنطينية والاستيلاء عليها سنة ( 857 ه / 1453 م ) سقطت الدولة البيزنطية على الفور وانتهت من الوجود ، وأصبحت عاصمة القياصرة عاصمة للدولة العثمانية . * دور المصريين في إنشاء أسطول المغرب العربي : تأخر فتح المغرب العربي وأخذ وقتا طويلا ، حيث استغرق نحو سبعين عاما من الزمان ، وأسباب ذلك كثيرة « 3 » ؛ منها انشغال الدولة الإسلامية بالفتن والحروب

--> ( 1 ) تاريخ الطبري ( 5 / 232 / 293 ) . ( 2 ) د . سعاد ماهر - البحرية في مصر الإسلامية - مرجع سابق ( ص 75 ) . ( 3 ) من أهم الأسباب كذلك أن سكان المغرب العربي ، الذين يشيع إطلاق كلمة البربر عليهم وهي تسمية لا يرتاحون إليها هم ؛ لأن الرومان هم الذين كانوا قد أطلقوها عليهم ، أما هم فيرتاحون إلى تسميتهم بالأمازيغ ، أي الأحرار بلغتهم . هؤلاء الأمازيغ لديهم عزة وأنفة واعتزاز بكرامتهم لا يقل عما -